هكذا سيدفع أردوغان الثمن
Monday, 12.26.2016, 06:25 PM

نبيل‭ ‬هيثم‭ - ‬‮«‬صدى‭ ‬الوطن‮»‬


لم‭ ‬تكد‭ ‬دماء‭ ‬السفير‭ ‬الروسي‭ ‬في‭ ‬أنقرة‭ ‬تجف‭ ‬حتى‭ ‬انقسم‭ ‬المراقبون‭ ‬في‭ ‬استحضار‭ ‬أدلة‭ ‬مشابهة‭ ‬رسمت‭ ‬مصير‭ ‬شعوب‭ ‬العالم‭ ‬لعقود‭ ‬من‭ ‬الزمن‭. ‬كثيرون‭ ‬قارنوا‭ ‬بين‭ ‬جريمة‭ ‬أنقرة،‭ ‬وبين‭ ‬حادثة‭ ‬اغتيال‭ ‬ولي‭ ‬عهد‭ ‬النمسا‭ ‬الأرشيدوق‭ ‬فرانز‭ ‬فرديناند‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1914،‭ ‬والتي‭ ‬شكلت‭ ‬الشرارة‭ ‬لانطلاق‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭.‬



حتى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المقارنة‭ ‬امتدت‭ ‬لتشمل‭ ‬أوجه‭ ‬الشبه‭ ‬في‭ ‬ملامح‭ ‬الصربي‭ ‬برينسيب‭ ‬غافريلو،‭ ‬قاتل‭ ‬وريث‭ ‬العشر‭ ‬الامبراطوري‭ ‬النمساوي‭-‬المجري،‭ ‬وبين‭ ‬مولود‭ ‬الطنطاش،‭ ‬العنصر‭ ‬السابق‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬التركي،‭ ‬والذي‭ ‬أطلق‭ ‬النار‭ ‬من‭ ‬مسدسه‭ ‬على‭ ‬السفير‭ ‬اندريه‭ ‬كارلوف‭ ‬خلال‭ ‬معرض‭ ‬فني‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬متاحف‭ ‬أنقرة‭.‬

تشابه‭ ‬الواقعتين،‭ ‬التي‭ ‬تفصل‭ ‬بينهما‭ ‬مئة‭ ‬عام،‭ ‬دفعت‭ ‬الكثيرين‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬إننا‭ ‬مقبلون‭ ‬على‭ ‬حرب‭ ‬عالمية‭ ‬ثالثة‭ - ‬يرى‭ ‬البعض‭ ‬أنها‭ ‬قائمة‭ ‬فعلاً‭ - ‬خصوصاً‭ ‬أن‭ ‬حادثة‭ ‬الاغتيال‭ ‬أتت‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬حساس‭ ‬للغاية،‭ ‬يشهد‭ ‬فيه‭ ‬المسرح‭ ‬الدولي‭ ‬أكبر‭ ‬تعقيدات‭ ‬القرن،‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬القرم‭ ‬وشرق‭ ‬أوروبا،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬بعدما‭ ‬عبّر‭ ‬الكرملين‭ ‬عن‭ ‬موقف‭ ‬رئيسه‭ ‬المجروح‭ ‬بالقول‭ ‬إن‭ ‬قتل‭ ‬سفير‭ ‬هو‭ ‬اعتداء‭ ‬على‭ ‬دولة‭!‬

ولكن‭ ‬قلة‭ ‬قليلة‭ ‬تنبّهت‭ ‬إلى‭ ‬حادثة‭ ‬تاريخية‭ ‬أخرى،‭ ‬تبدو‭ ‬أكثر‭ ‬التصاقاً‭ ‬بجريمة‭ ‬اغتيال‭ ‬اندريه‭ ‬كارلوف،‭ ‬وهي‭ ‬جريمة‭ ‬ذبح‭ ‬سفير‭ ‬روسيا‭ ‬القيصرية‭ ‬لدى‭ ‬إيران‭ ‬الشاعر‭ ‬الكسندر‭ ‬غريبويدوف‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1829،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬حشود‭ ‬غاضبة،‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬رجال‭ ‬الشاه،‭ ‬تجمعت‭ ‬أمام‭ ‬السفارة‭ ‬الروسية،‭ ‬على‭ ‬أثر‭ ‬دعوات‭ ‬لـ«الجهاد‮»‬‭ ‬ضد‭ ‬روسيا،‭ ‬وسفيرها‭ ‬‮«‬الكافر‭ ‬ذي‭ ‬النظارات‮»‬،‭ ‬وأقدمت‭ ‬على‭ ‬قتل‭ ‬غريبوييدوف‭ ‬مع‭ ‬35‭ ‬حارساً‭ ‬قوزاقياً‭.‬

يومها‭ ‬أثارت‭ ‬المذبحة‭ ‬أزمة‭ ‬ديبلوماسية‭ ‬حادة‭ ‬بين‭ ‬روسيا‭ ‬وإيران،‭ ‬ولتطبيع‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬القيصر،‭ ‬أرسل‭ ‬الشاه‭ ‬حفيده‭ ‬الأمير‭ ‬خسرو‭ ‬ميرزا‭ ‬إلى‭ ‬سان‭ ‬بطرسبورغ‭. ‬وكانت‭ ‬مهمته‭ ‬تتلخص‭ ‬في‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬قبول‭ ‬الإمبراطور‭ ‬الروسي‭ ‬اعتذار‭ ‬الشاه‭ ‬عن‭ ‬قتل‭ ‬غريبوييدوف،‭ ‬وإلى‭ ‬تخفيف‭ ‬عبء‭ ‬تعويضات‭ ‬الحرب‭ ‬عن‭ ‬كاهل‭ ‬الفرس‭. ‬وفي‭ ‬حصيلة‭ ‬الأمر،‭ ‬لم‭ ‬تؤد‭ ‬مجزرة‭ ‬السفارة‭ ‬إلى‭ ‬تدهور‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬روسيا‭ ‬وبلاد‭ ‬فارس،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬تم‭ ‬تأجيل‭ ‬دفع‭ ‬التعويضات‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭. ‬وقال‭ ‬القيصر‭ ‬نيقولاي‭ ‬الأول‭ ‬لخسرو‭ ‬ميرزا‭ ‬وهو‭ ‬يتسلم‭ ‬منه‭ ‬الهدايا،‭ ‬إنه‭ ‬‮«‬سيجعل‭ ‬حادثة‭ ‬السفارة‭ ‬المأسوية‭ ‬طي‭ ‬النسيان‮»‬‭.‬


ثمن‭ ‬سياسي

ولعلّ‭ ‬المواقف‭ ‬التركية‭ ‬والروسية‭ ‬بعد‭ ‬جريمة‭ ‬اغتيال‭ ‬كارلوف‭ ‬تشي‭ ‬بأن‭ ‬بتكرار‭ ‬سيناريو‭ ‬غريبوييدوف‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬سيناريو‭ ‬الارشيدوق‭ ‬فرديناند،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أن‭ ‬كلاً‭ ‬من‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين‭ ‬ورجب‭ ‬طيب‭ ‬أردوغان‭ ‬يدرك‭ ‬جيداً‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬واقعة‭ ‬اغتيال‭ ‬السفير‭ ‬الروسي،‭ ‬بما‭ ‬تمثله‭ ‬من‭ ‬تطوّر‭ ‬خطير‭ -‬لم‭ ‬يحصل‭ ‬أن‭ ‬شهدت‭ ‬روسيا‭ ‬عملية‭ ‬اغتيال‭ ‬لسفير‭ ‬منذ‭ ‬حادثة‭ ‬العام‭ ‬1829‭- ‬وذلك‭ ‬لضرب‭ ‬العلاقات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بين‭ ‬موسكو‭ ‬وانقرة،‭ ‬والتي‭ ‬شهدت‭ ‬تطوراً‭ ‬ملموساً‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الماضية،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬بعد‭ ‬اعتذار‭ ‬أردوغان‭ ‬شخصياً‭ ‬عن‭ ‬حادثة‭ ‬اسقاط‭ ‬طائرة‭ ‬‮«‬السوخوي‮»‬‭ ‬فوق‭ ‬أجواء‭ ‬الحدود‭ ‬السورية‭ - ‬التركية‭. ‬

ولكن‭ ‬الثمن‭ ‬الذي‭ ‬سيضطر‭ ‬أردوغان‭ ‬إلى‭ ‬تقديمه‭ ‬لبوتين‭ ‬ليس‭ ‬قليلاً،‭ ‬وسيتجاوز‭ ‬بالتأكيد‭ ‬حجر‭ ‬الماس‭ ‬الخرافي‭ ‬الذي‭ ‬قدّمه‭ ‬الشاه‭ ‬للقيصر‭ ‬كديّة‭ ‬لسفيره‭ ‬المذبوح‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬مئتي‭ ‬عام،‭ ‬فالثمن‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬ثمن‭ ‬سياسي،‭ ‬سيضطر‭ ‬معه‭ ‬‮«‬السلطان‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬بشكل‭ ‬دراماتيكي‭ ‬في‭ ‬سياساته،‭ ‬بدءاً‭ ‬بسورياً،‭ ‬مروراً‭ ‬بالقرم،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬آسيا‭ ‬الوسطى،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تبدّى‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬اللقاء‭ ‬الثلاثي،‭ ‬الذي‭ ‬جمع‭ ‬وزراء‭ ‬خارجية‭ ‬روسيا‭ ‬وإيران‭ ‬وتركيا‭ ‬في‭ ‬موسكو،‭ ‬والذي‭ ‬عكس‭ ‬البيان‭ ‬المشترك‭ ‬الصادر‭ ‬عنه‭ ‬تحوّلاً‭ ‬دراماتيكياً‭ ‬في‭ ‬الاصطفافات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬حول‭ ‬سوريا،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬إعطاء‭ ‬أولوية‭ ‬قصوى‭ ‬لمحاربة‭ ‬الإرهاب،‭ ‬وليس‭ ‬الإطاحة‭ ‬بالرئيس‭ ‬السوري‭ ‬بشار‭ ‬الأسد،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬وحدة‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية،‭ ‬واستعداد‭ ‬الدول‭ ‬الثلاث،‭ ‬للمساعدة‭ ‬في‭ ‬التوصل‭ ‬الى‭ ‬اتفاق‭ ‬بين‭ ‬الحكومة‭ ‬السورية‭ ‬والمعارضة،‭ ‬وتوفير‭ ‬الضمانات‭ ‬لتطبيقه‭.‬


الحل‭ ‬قادم

ويؤشر‭ ‬‮«‬إعلان‭ ‬موسكو‮»‬‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الحل‭ ‬القادم‭ ‬للأزمة‭ ‬السورية‭ ‬سيكون‭ ‬برعاية‭ ‬روسية‭ ‬إيرانية‭ ‬تركية،‭ ‬وفق‭ ‬خطة‭ ‬جرى‭ ‬المرور‭ ‬عليها‭ ‬عرضاً‭ ‬في‭ ‬الصحافة‭ ‬الروسية،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬عقد‭ ‬اجتماعات‭ ‬تفاوضية‭ ‬بين‭ ‬الحكومة‭ ‬السورية‭ ‬والفصائل‭ ‬المعارضة‭ ‬في‭ ‬كازاخستان،‭ ‬والتوافق‭ ‬على‭ ‬نشر‭ ‬قوة‭ ‬حفظ‭ ‬سلام‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬بقيادة‭ ‬روسية،‭ ‬وبمشاركة‭ ‬إيران‭ ‬وتركيا‭ ‬ومصر‭ ‬وصربيا‭ ‬وأذربيجان‭. ‬

التقارب‭ ‬بين‭ ‬روسيا‭ ‬وتركيا‭ ‬ليس‭ ‬بالأمر‭ ‬المفاجئ،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬رصدنا‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬سياسات‭ ‬أردوغان‭ ‬منذ‭ ‬محاولة‭ ‬الانقلاب‭ ‬الفاشل‭ ‬في‭ ‬تموز‭ (‬يوليو‭) ‬الماضي،‭ ‬والذي‭ ‬يشتبه‭ ‬في‭ ‬وقوف‭ ‬جماعة‭ ‬فتح‭ ‬الله‭ ‬غولين،‭ ‬المدعومة‭ ‬أميركياً‭ ‬خلفه،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قاده‭ ‬إلى‭ ‬مصالحة‭ ‬تاريخية‭ ‬مع‭ ‬بوتين،‭ ‬استتبعت‭ ‬بسلسلة‭ ‬خطوات‭ ‬قرّبت‭ ‬من‭ ‬الجانبين‭ ‬في‭ ‬الملف‭ ‬السوري‭ ‬تحديداً،‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬تراجع‭ ‬أردوغان‭ ‬في‭ ‬الاول‭ ‬من‭ ‬كانون‭ ‬الاول‭ (‬ديسمبر‭) ‬الحالي‭ ‬عن‭ ‬موقفه‭ ‬السابق‭ ‬بأن‭ ‬القوات‭ ‬التركية‭ ‬دخلت‭ ‬سوريا‭ ‬لإنهاء‭ ‬حكم‭ ‬الأسد،‭ ‬وتشديده‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬العملية‭ ‬العسكرية‭ ‬المعروفة‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬درع‭ ‬الفرات‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تستهدف‭ ‬أي‭ ‬بلد‭ ‬أو‭ ‬شخص‭ ‬وإنما‭ ‬تستهدف‭ ‬التنظيمات‭ ‬الإرهابية،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تصريح‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬التركي‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬يلدريم‭ ‬في‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬كانون‭ ‬الأول‭ ‬أن‭ ‬المصرفين‭ ‬المركزيين‭ ‬في‭ ‬أنقرة‭ ‬وموسكو‭ ‬يعملان‭ ‬على‭ ‬المسائل‭ ‬التقنية‭ ‬للانتقال‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬العملات‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬التعاملات‭ ‬التجارية‭ ‬الثنائية،‭ ‬والتخلي‭ ‬عن‭ ‬الدولار‭ ‬الأميركي،‭ ‬وتأكيد‭ ‬بوتين،‭ ‬بعد‭ ‬أيام‭ ‬أن‭ ‬بلاده‭ ‬تجري‭ ‬محادثات‭ ‬مكثفة‭ ‬مع‭ ‬المعارضة‭ ‬السورية‭ ‬بوساطة‭ ‬تركية،‭ ‬وتسعى‭ ‬لإيجاد‭ ‬تسوية‭ ‬سياسية،‭ ‬تكون‭ ‬الخطوة‭ ‬المقبلة‭ ‬فيها‭ ‬وقف‭ ‬كل‭ ‬عمليات‭ ‬القتال‭ ‬وإطلاق‭ ‬النار‭.‬


هل‭ ‬تغير‭ ‬تركيا‭ ‬محورها؟

وبصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬أهمية‭ ‬الخطوات‭ ‬السابقة،‭ ‬فإن‭ ‬‮«‬إعلان‭ ‬موسكو‮»‬‭ ‬يأتي‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬أكثر‭ ‬تقدماً‭ ‬من‭ ‬التقارب‭ ‬الروسي‭-‬التركي،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬تركيا‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬المعسكر‭ ‬الأميركي،‭ ‬مقتربة‭ ‬من‭ ‬تشكيل‭ ‬تحالف‭ ‬استراتيجي‭ ‬الروسي‭ ‬الإيراني،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬يني‮»‬‭ ‬التركية‭ ‬المقربة‭ ‬من‭ ‬أردوغان،‭ ‬حملت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الاميركية‭ ‬مسؤولية‭ ‬الهجمات‭ ‬الإرهابية‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬العمق‭ ‬التركي،‭ ‬ومتهمة‭ ‬واشنطن‭ ‬بالوقوف‭ ‬خلف‭ ‬عملية‭ ‬اغتيال‭ ‬السفير‭ ‬الروسي‭.‬

ما‭ ‬يؤكد‭ ‬خطورة‭ ‬تلك‭ ‬التحولات،‭ ‬هو‭ ‬التوقيت‭ ‬الذي‭ ‬اختاره‭ ‬قتلة‭ ‬السفير‭ ‬الروسي‭ ‬في‭ ‬أنقرة،‭ ‬والذي‭ ‬جاء‭ ‬عشية‭ ‬اللقاء‭ ‬الثلاثي،‭ ‬الذي‭ ‬نظرت‭ ‬اليه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬شك،‭ ‬بعين‭ ‬الريبة‭ ‬والقلق،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬بعد‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬الميدان‭ ‬الحلبي‭ ‬بانتصار‭ ‬الجيش‭ ‬السوري‭ ‬وحلفائه،‭ ‬بما‭ ‬يتمثله‭ ‬من‭ ‬نقطة‭ ‬مفصلية‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬الدائر‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬وعليها‭.  ‬ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬تركيا‭ ‬قد‭ ‬التقطت‭ ‬الإشارات‭ ‬المتعددة،‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬فشل‭ ‬الانقلاب‭ ‬العسكري‭ ‬ضد‭ ‬أردوغان‭ - ‬وللتذكير‭ ‬فإن‭ ‬ثمة‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬روسي‭ ‬في‭ ‬كشفه‭ ‬–‭ ‬مروراً‭ ‬بالمواقف‭ ‬الفاترة،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬العدائية‭ ‬أحياناً،‭ ‬للإدارة‭ ‬الأميركية‭ ‬المنتهية،‭ ‬والمواقف‭ ‬الملتبسة‭ ‬للرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬الأزمة‭ ‬السورية‭ ‬والعلاقة‭ ‬مع‭ ‬روسيا‭ ‬تحديداً،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬الانتصار‭ ‬الذي‭ ‬حققه‭ ‬المحور‭ ‬الروسي‭-‬السوري‭-‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬حلب‭... ‬حتى‭ ‬باتت‭ ‬تعتقد‭ ‬بالفعل‭ ‬أن‭ ‬مصلحتها‭ ‬قد‭ ‬باتت‭ ‬روسية‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬غربية‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬الثمن‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬سيدفعه‭ ‬أردوغان،‭ ‬كديّة‭ ‬عن‭ ‬مقتل‭ ‬السفير‭ ‬الروسي‭ ‬تحت‭ ‬حماية‭ ‬السلطات‭ ‬التركية،‭ ‬يبدو‭ ‬باهظاً،‭ ‬وهو‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬السياسات‭ ‬السابقة‭ ‬تجاه‭ ‬سوريا،‭ ‬وربما‭ ‬تجاه‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى‭ ‬متداخلة‭ ‬مع‭ ‬روسيا‭ (‬القرم،‭ ‬جمهوريات‭ ‬آسيا‭ ‬الوسطى‭...)‬،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬سيجنيه‭ ‬من‭ ‬التقارب‭ ‬مع‭ ‬الكرملين‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬قليلاً،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أخذنا‭ ‬في‭ ‬الحسبان‭ ‬توقعات‭ ‬المحللين‭ ‬بانتقال‭ ‬مركز‭ ‬الثقل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬من‭ ‬الغرب‭ ‬نحو‭ ‬الشرق،‭ ‬مع‭ ‬بروز‭ ‬عمالقة‭ ‬اقتصاديين‭ ‬جدد،‭ ‬مثل‭ ‬الصين‭ ‬والهند،‭ ‬وبدرجة‭ ‬أقل‭ ‬روسيا‭ ‬وايران،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬مؤشرات‭ ‬ركود‭ ‬خطيرة‭ ‬تسجل‭ ‬في‭ ‬العواصم‭ ‬الغربية‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬الاقتصاد‭ ‬هو‭ ‬المحرّك‭ ‬للسياسة،‭ ‬كما‭ ‬يجمع‭ ‬المحللون،‭ ‬فإن‭ ‬مصلحة‭ ‬تركيا‭ ‬تبدو‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬اقامة‭ ‬علاقات‭ ‬شراكة‭ ‬استراتيجية‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬روسيا‭ ‬وإيران‭.... ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬سلكت‭ ‬الأمور‭ ‬وفق‭ ‬هذا‭ ‬المسار،‭ ‬فمن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬المشهد‭ ‬الدولي‭ ‬سيصبح‭ ‬مختلفاً‭ ‬عمّا‭ ‬سبق،‭ ‬وبطبيعة‭ ‬الحال،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬ربما‭ ‬يشكل‭ ‬مدخلاً‭ ‬لتحديد‭ ‬الجهة‭ ‬المتضررة‭ ‬من‭ ‬التقارب‭ ‬المحتمل‭... ‬وبالتالي‭ ‬المستفيدة‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬ارهابية‭ ‬على‭ ‬شاكلة‭ ‬اغتيال‭ ‬اندريه‭ ‬كارلوف‭.‬



(Votes: 0)



  • Su
  • Mo
  • Tu
  • We
  • Th
  • Fr
  • Sa
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
  • 6
  • 7
  • 8
  • 9
  • 10
  • 11
  • 12
  • 13
  • 14
  • 15
  • 16
  • 17
  • 18
  • 19
  • 20
  • 21
  • 22
  • 23
  • 24
  • 25
  • 26
  • 27
  • 28
  • 29
  • 30
  • 31
  •  
  •  
  •  
  •