اختيار التخصّص الجامعي .. بين رغبة الطالب وضغوط الأهل
Monday, 12.26.2016, 06:40 PM

زهراء فرحات - «صدى الوطن»


كلما اقترب العام الدراسي الأكاديمي من نهايته، غالباً ما يجد الطلاب العرب الأميركيون المتخرجون من الجامعات أنفسهم عند مفترق طرق وأمامهم خياران مصيريان لمواصلة مسيرتهم في الحياة: إما اتباع طريق المهنة التي كانوا دائماً ما يصبون اليها، أو الخضوع للضغط المعنوي الذي لا يُستهان به، والمتمثل برغبة وطموحات الأهل.



أما الطلاب الذين يتبعون الخيار الثاني، أي رأي أهلهم، فغالباً ما يجدون أنفسهم غارقين في التفكير بالسؤال الصعب: ماذا لو؟ 

هذا بالذات ما حصل للطالب علي، في «جامعة ميشيغن-ديربورن» وعمره 23 عاماً، حيث تطرق الى حلم حياته الضائع بعشقه لمادة الرياضيات وتدريسها، فقال «بدأت دراستي الجامعية بالتخصص في علم الرياضيات وكانت لدي رغبة قوية بالتعليم»، لافتاً الى أنه قام بالفعل خلال سنوات الدراسة الثانوية بإعطاء دروس خصوصية كوظيفة وأيضاً كهواية ممتعة بالنسبة.

ليلى طالبة أخرى، قالت إن حبها للأدب والكتابة دفعها الى التسجيل في اختصاص اللغة الإنكليزية في عامها الجامعي الأول (فرشمان)، «لقد كنت أمضي معظم أوقاتي بالثانوية العامة في القراءة والكتابة» اوضحت ليلى، «عندي حوالي مئة كتاب في البيت هذا عدا عن الكتب التي أستعيرها من المكتبة. لقد رغبت دوماً ان انشر كتاباً من نتاجي وأن أعمل جانبياً كمحررة وكاتبة.. ولكن». 

لكن الرياح سارت بعكس ما يشتهيه هذان الطالبان وغيرهما الكثير من أبناء الجالية ممن اضطروا الى السير في مسار مهني آخر لا يلبي رغباتهم ولا يحدث فرقاً في حياة الآخرين، وإنما فقط إرضاءً للأهل. 


تأثير الأهل 

هناك أربع مهن رئيسية يفضل الأهالي في الجالية العربية رؤية أبنائهم يمتهنونها، هي: الطب، الصيدلة، الهندسة، والمحاماة، أما الطلاب في حرم الجامعات فيمازحون بأن هذه اللائحة أصبحت بمثابة عقيدة راسخة (دوغما) لا يمكن الخروج عنها.

الطالب علي أقر بأن أبويه اقنعاه بتغيير اختصاصه، وأشار في هذا المضمار إلى انه جرى إقناعه من قبل أهله لكي يجد تخصصاً آخر يمنحه أفضل الفرص الوظيفية لتأمين مستقبله، وتابع «بدأت أشعر بالمسؤولية لفعل ما يريدان مني كونهما هما اللذان يدفعان أقساطي الجامعية، لذا تحولت الى اختصاص هندسة الطب البيولوجي لكي أرضيهما مستعملاً في نفس الوقت مهاراتي في الرياضيات».

وشرح علي أن أبويه أراداه أن يصبح إما طبيباً أو مهندساً «لكن مسألة الطب كانت مستبعدة عندي تماماً لأنها لا تتضمن الرياضيات لذا فشهادة الهندسة لم تكن سيئة بحد ذاتها بسبب احتوائها على مادة الرياضيات، ولكن تبقى الحقيقة الجارحة أن هذا ليس ما كنت أطمح إليه». 

استطرد علي بالقول «لقد كان صعباً أن أسعى وراء مهنة لا أحبها بشغف، لكنني أعوض عن ذلك بإعطاء دروس خاصة للأصدقاء وزملاء الدراسة في الجامعة».

وكما علي، غيَّرت ليلى الاختصاص الذي كانت تحبذه لأن أبويها اعتبرا الكتابة مجرد هواية وليست مهنة يمكن أن تعتاش منها. ونسبت إليهما القول «بإمكانك القراءة والكتابة ساعة تشائين»، فهما لطالما أرادا من ليلى أن تصبح طبيبة لأن علاماتها كانت الأعلى في الصفوف وقالا لها إنها تضيع وقتها اذا سعت للحصول على شهادة في الفنون.

وأسهبت ليلى أن «من الشائع جداً لدى الطلاب في الجالية ألا يواصلوا الدراسة التي يحبونها نزولاً عند رغبة أهلهم.

وأضافت أن «معظم أصدقائي تقدموا بطلبات دخول لكليات الطب أو الصيدلة، وعادة اذا لم تُقْبَل في كلية الطب تقدم طلباً للانتساب إلى كلية الصيدلة». 

خلصت ليلى الى القول انها غير سعيدة بدراسة علم الأحياء (بيولوجي) والضغط النفسي الذي ينتظرها تحضيراً لامتحان الطب «أَم كات». لكنها ستنجز ذلك لأنها تريد أن تجعل أهلها راضين.


تبعات

واستناداً الى عدة دراسات في هذا المجال، فإن الطالب الذي يختار تخصصاً جامعياً يهمُّه شخصياً ويتطابق مع قدراته الأكاديمية يُتوَقّع له أن يكون سعيداً وينال شهادته في الوقت المحدد، أما الطالب الذي لا ينطبق عليه ذلك فيتأخر موعد تخرجه بسبب تنقّله بين تخصص وآخر، أو يحصل على علامات مخيبة للآمال، وفي بعض الحالات يترك الدراسة.

المسار الثاني من شأنه أنْ يؤذي الطلاب من الناحية النفسية وقد يؤدي إلى فقدان ثقة الطالب بنفسه والتعرض للقلق والاكتئاب وحتى حمل ضغينة ضد أهله.

الأخصائية النفسية هدى أمين، من عيادة «ابيكس للصحة السلوكية في غرب وين»، أكدت أنه إذا كان الطالب غير شغوفاً بالاختصاص الذي يدرسه فإنه بلا شك لن يضع 100 بالمئة من جهوده في التعليم، مشيرةً الى أن الأولاد الذين يطبقون رغبات أهاليهم غالباً ما يعيدون التفكير ويقومون بتغيير خياراتهم المهنية. واعطت أمثلة شهدتها بنفسها عن أطباء عادوا للجامعة لدراسة شهادة الماجيستير في ادارة الاعمال وانتهى بهم المطاف أن يصبحوا مدراء تنفيذيين إداريين بدل متابعة مهنتهم الطبية «لأن قلبهم لم يكن منسكباً على مهنة الطب».

كذلك تحدثت أمين عن أمثلة لطلاب آخرين أنهوا شهادة البكالوريوس ولم يكملوا دراستهم بعدها بسبب المعدلات العالية المطلوبة للانتساب لبعض الكليات.

فمعدل العلامات (جي بي أي) ضروري لكي يُقبلوا في التخصصات التنافسية كما أن عليهم أن يبلوا بلاءً حسناً في الامتحانات الرسمية مثل «أم كات» أو أي امتحان مهني آخر، وهو ما يعقّد من مهمتهم أكثر وأكثر لاسيما وأنهم لم يكونوا متحمسين لهذا الاختصاص أصلاً، بحسب أمين. 

إحدى الطالبات أفضت لأمين بأن ضغط أهلها عليها خلال الدراسة أدى بها الى البطالة وعدم التقدم في تحصيلها العلمي fكلية الطب لان ذلك كان خيار أَهلها لا خيارها هي، لذلك «استقر بها الحال الى ان jvog كلية الصيدلة لان علاماتها لم تخولها القبول في كلية الطب وانتهى بها الأمر إلى ترك الجامعة كلياً بعد سنتين من الدراسة».

وعن حالها اليوم أفادت أمين انها «اصبحت ربة منزل تحمل شهادة بكالوريوس لم تردها منذ البداية».

وقدمت أمين نصيحة للأهل بأن «لا يسعوا لتحقيق حلم حياتهم من خلال أولادهم، بل دعوا أبناءكم يقررون مصير مهنهم بأنفسهم». وخلصت أمين إلى القول «ان الأبناء يعيشون في زمن مختلف ولديهم فرص كبيرة متاحة أمامهم لكي يتطوروا واذا أراد الطالب السعي وراء مهنة يحبها فسوف ينجح لا محالة، اكثر مما اذا فُرضت عليه مهنة أخرى».   



(Votes: 0)



  • Su
  • Mo
  • Tu
  • We
  • Th
  • Fr
  • Sa
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
  • 6
  • 7
  • 8
  • 9
  • 10
  • 11
  • 12
  • 13
  • 14
  • 15
  • 16
  • 17
  • 18
  • 19
  • 20
  • 21
  • 22
  • 23
  • 24
  • 25
  • 26
  • 27
  • 28
  • 29
  • 30
  • 31
  •  
  •  
  •  
  •