خطاب كيري .. زوبعة في فنجان
Friday, 01.06.2017, 04:41 PM

رغم أن خطاب وزير الخارجية جون كيري في ٢٨ كانون الأول (ديسمبر) الماضي، حول عملية السلام المتعثرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، يبدو ظاهرياً خطاباً شجاعاً وناقداً بشكل لاذع وغير مسبوق للاحتلال، إلا أنه يعكس في عمقه، مسؤولية الإدارات المتعاقبة على واشنطن، عن تعنت السياسات الإسرائيلية إزاء عملية السلام المجمدة حتى أمست حكومة تل أبيب عقبة كأداء أمام إحلال السلام في المنطقة، لتتأكد بذلك الطبيعة العدوانية لهذا الكيان الغاصب.



بالنسبة لإسرائيل، تجاوز كيري الخطوط الحمر في خطابه، بتجروئه على احتلال الأراضي الفلسطينية خارج حدود الـ67 بوصفه عائقاً أمام «حل الدولتين»، وذلك في أعقاب تصويت مجلس الأمن على قرار يدين استمرار التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس المحتلة.

وفي خطوة نادرة، كان مجلس الأمن الدولي قد تبنى يوم 23 كانون الأول (ديسمبر) الماضي قراراً بوقف الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في ظل امتناع واشنطن عن التصويت على القرار، الذي أيده 14 عضواً في المجلس من أصل 15، ويدعو إلى «وقف فوري وتام لكل أنشطة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية»، ويعتبر أن هذه المستوطنات غير شرعية في نظر القانون الدولي سواء أقيمت بموافقة الحكومة الإسرائيلية أو لا، وتعرض حل الدولتين للخطر.

القرار أثار حفيظة إسرائيل وغضبها على الولايات المتحدة التي أقدمت على خطوة غير مسبوقة وذلك بالامتناع عن استخدام حق النقض (الفيتو) على قرار مجلس الأمن، فيما صوّتت الدول الأعضاء الأخرى بالإجماع على إدانة السياسات الإسرائيلية الاستيطانية.

موقف واشنطن المتأخر، أدى إلى تردي العلاقات بين الولايات المتحدة ودولة الكيان الصهيوني على الرغم من الدعم غير المسبوق الذي حظيت به من قبل إدارة الرئيس باراك أوباما خلال سنوات حكمه الثمانية.

وفي الواقع، فإن امتناع الولايات المتحدة عن التصويت على قرار إدانة التوسع الاستيطاني الإسرائيلي يعكس حقيقة أن المصالح الأميركية تنسجم مع المجتمع الدولي بأكثر مما تنسجم مع مصالح إسرائيل، والتي على أصدقائها أن يعملوا على «إنقاذها من نفسها ومن الاستيطان الذي يهدد هويتها» (اليهودية)، على حد تعبير كيري. 

خطاب كيري، ليس الأول من نوعه بين خطابات الخارجية الأميركية التي تنطوي على نفاد الصبر من السياسات الإسرائيلية، ففي عام 1990 سعى رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها إسحاق شامير للتملص من المفاوضات مع الفلسطينيين حول القدس الشرقية، ورفض باستمرار، المطالب الأميركية  بإجراء الحوار مع الفلسطينيين، وحين نفذ صبر الدبلوماسية الأميركية، قام وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر بتوجيه رسالة واضحة المغزى إلى الإسرائيليين، حين ألقى على أسماع شامير جملته ذات الدلالة الواضحة، قائلا: «هذا رقم هاتف الرئيس جورج بوش (الأب) فاتصل بنا في حال كنت جادا حول السلام».

وفي عام 2008 وصف الرئيس جورج بوش الابن التوسع الإستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية بأنه عقبة أمام إنجاح جهود إحياء السلام، وطالب الحكومة الإسرائيلية بتفكيك مستوطناتها في المواقع الاستيطانية غير المرخصة.

أما أوباما فخاصم نتنياهو طويلاً بسبب سياسة التوسع الإستيطاني، لكنه لم يلجأ قط الى أي خطوة عملية ضد هذه السياسة، حتى أزفت ساعة الرحيل، علماً بأن إدارة أوباما استخدمت في عام 2011، حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار يدين المستوطنات الإسرائيلية.

في الواقع، ورغم صفعة أوباما الوداعية، جاء خطاب كيري تبريرياً أكثر من كونه حيادياً، فقد عدد وزير الخارجية المرات الكثيرة التي أدفقت فيها الولايات المتحدة دعمها اللامشروط لمساندة إسرائيل داحضاً الاتهامات الإسرائيلية لإدارة أوباما بتخليها عن التزامها بأمن ومصالح الدولة العبرية. 

وذكّر وزير الخارجية أيضاً في خطابه بمواقف واشنطن المعارضة لحملات مقاطعة إسرائيل، لاسيما حملة «وقف الاستثمارات» في الكيان الصهيوني، وإصرار الولايات المتحدة الدائم على مشاركة إسرائيل في المحافل الدولية ومنع فرض عقوبات عليها خلال ولاية الرئيس أوباما. 

كما تأكد هذا الدعم غير المشروط لإسرائيل عبر إقرار مساعدات عسكرية غير مسبوقة بقيمة 38 مليار دولار رغم عدم تجاوب حكومة بينامين نتنياهو مع مطالب الرئيس أوباما بوقف الاستيطان في الضفة الغربية والقدس المحتلة.

وبينما كان كيري جريئاً نسبياً في دفاعه عن موقف بلاده بالامتناع عن استخدام الفيتو ضد قرار إدانة مجلس الأمن للاستيطان، كان من الأجدر بالولايات المتحدة الانضمام إلى المجتمع الدولي والتصويت بـ«نعم» لصالح القرار لكبح التوسع الاستيطاني.

ففي خطابه، عارض كيري توسع المستوطنات الإسرائيلية معتبراً أنها مسمار في نعش عملية السلام وخطر فعلي على إمكانية تطبيق حل الدولتين، مبرراً موقف بلاده في مجلس الأمن بأنه نابع من الرغبة في إنقاذ إسرائيل «من العناصر الأكثر تطرفاً» في حكومة تل أبيب. أما الفلسطينيون الذين يستعدون للعودة الى المفاوضات عبر مؤتمر للسلام دعا اليه الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في ١٥ كانون الثاني (يناير) فقد رأوا في كلام كيري محاولة مرفوضة لتمرير «يهودية الدولة».

وفيما العالم يتفرج على عذابات الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي، تبقى مصداقية الولايات المتحدة على المحك مع استمرار دعمها السياسي والمالي والعسكري اللامحدود للكيان الغاصب.

وإذا كان كلام كيري صادقاً في انتقاد الاستيطان والتزام بلاده بالسلام والديمقراطية فكان على الولايات المتحدة أن تترجم ذلك بالتصويت بـ«نعم» على قرار إدانة إسرائيل بدلاً من الالتزام الأعمى بأمن إسرائيل وحماية شرعيتها.

ولكن في مؤشر على أن خطاب كيري لا يعدو عن كونه أكثر من زوبعة في فنجان، تبنى مجلس النواب الأميركي، الخميس الماضي (مع صدور هذا العدد)، بياناً أدان فيه قرار مجلس الأمن الدولي بسبب قرار حول وقف الاستيطان. وصوت إلى جانب البيان 342 نائباً مقابل 80 نائباً ضده، ومن المتوقع أن يتبنى مجلس الشيوخ بياناً مماثلاً.

في المحصلة، يمكن اعتبار خطاب كيري فرصة نادرة لإجراء نقد ذاتي لسياسة الولايات المتحدة التي من المفترض أنها تحتفي بقيم الحرية والديمقراطية والمساواة، وهو بدون شك خطاب لا يمكن التعويل عليه، مع اقتراب موعد الرحيل.



(Votes: 0)



  • Su
  • Mo
  • Tu
  • We
  • Th
  • Fr
  • Sa
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
  • 6
  • 7
  • 8
  • 9
  • 10
  • 11
  • 12
  • 13
  • 14
  • 15
  • 16
  • 17
  • 18
  • 19
  • 20
  • 21
  • 22
  • 23
  • 24
  • 25
  • 26
  • 27
  • 28
  • 29
  • 30
  • 31
  •  
  •  
  •  
  •