«السفير» .. شعلة الثقافة والمهنية تنطفئ بصمت كئيب
Friday, 01.06.2017, 04:43 PM

في مشهد كئيب، أطفأ ناشر صحيفة «السفير» طلال سلمان النور بمكتبه في الحمراء، وغادر بصمت وكبرياء، بعد 42 عاماً من النشر اليومي تحت شعار «صوت الذين لا صوت لهم»، الصوت الذي لم يخرسه دوي المدافع ولا هدير الطائرات المعادية ولا كلاشينكوفات الأشقاء المتحاربين ولا مكائد السياسيين ولا ترهيب المتعصبين ولا أولويات لاعبي دور الأخ الأكبر، على الوطن الصغير، لبنان!

ليس سراً أن الصحيفة أقفلت بسبب شح التمويل وعجزها عن تسديد رواتب العاملين فيها، في الوقت الذي تبذّر الأموال الطائلة، لتمويل مشاريع التقسيم والنزعات الطائفية والمناطقية والإقليمية، في سياق همروجة سياسية طويلة تهدد بعصف مأكول مصير كامل منطقة الشرق الأوسط.

وفي الزمن الذي صار فيه الالتزام المهني والأخلاقي في مهنة «صاحبة الجلالة» آخر ما يهم، أسدلت «السفير» الستارة على المشهد الأخير، وأطفأت أنوارها، في الوقت الذي كان ما يزال بلبنان «يشعشع» بأنوار الزينة في احتفالات أعياد الميلاد والألعاب النارية في احتفالات رأس السنة التي بيعت بطاقات حفلاتها بآلالاف الدولارات، في إشارة واضحة الدلالة، مريرة المعنى، على العطب والانحدار الذي يصيب لبنان في الصميم، من بلد يُعنى بالثقافة بالدرجة الأولى إلى بلد يهتم بالمظاهر الفارغة والكاذبة.

كان سلمان قبل عدة أشهر قد أعلن عن نيته بإغلاق الجريدة التي تحولت عبر العقود الى وجه إعلامي مشرق في الصحافة الإعلامية العربية، ولعله اعتقد في قرارة نفسه، ولو لوهلة (وهذا ما اعتقدناه نحن كذلك) أن في لبنان فعاليات ومؤسسات وشخصيات لن تسمح بموت الصحيفة بتركها تلفظ أنفاسها الأخيرة، بدون أن يحركوا ساكنا، أو يبادروا إلى دعمها وهي في غرفة العناية المشددة، ومدها بالأوكسجين اللازم لاستمرار الحياة، لكن شيئا من ذلك لم يحدث، بكل أسف!

لقد لفظت «السفير» أنفاسها الأخيرة على مرأى ومسمع الجميع، وكأنهم لم يفطنوا يوماً إلى أن «السفير» كانت على مدى عقود حاجة وطنية وضرورة سياسية وإعلامية.. لقد تناسى الجميع الأسماء اللامعة التي برزت على صفحات السفير، والتي أغنت المشهد الثقافي والفكري والسياسي في لبنان، من أمثال محمود درويش وأدونيس وناجي العلي وجوزيف سماحة وبلال الحسن وغيرهم من كبار الأدباء العرب.. لقد نسي الجميع أن «صحيفة الفقراء» كسرت احتكار الامتيازات الإعلامية التي كانت تقتصر على البرجوازيين والإقطاعيين.. والأحزاب، الذين عادوا إلى المشهد الإعلامي من خلال قنوات تلفزيونية -بميزانيات عملاقة- تضع أحلام المواطن اللبناني ومصالحه الحياتية والأخلاقية في ذيل القائمة التي باتت تتصدرها عقلية «الرايتينغ»!

إننا في «صدى الوطن»، ندرك عمق الأزمة المالية التي مرت بها الزميلة «السفير» ونعرف حجم التحديات الهائلة التي تحملتها بسبب خطها السياسي، لسبب بسيط واضح ومعروف، وهو أننا نعيش في قلب المعمعة ذاتها. وإننا من خلال هذه الافتتاحية نعبر عن مرارة الغصص التي تجرعناها ونحن نسمع خبر إغلاق الصحيفة، وكنا نأمل من أبناء شعبنا اللبناني -وبعد انتشار موضات التعبير عن الرأي بالطريقة التي أتحفنا بها ما يسمى «الربيع العربي»- أن يعربوا عن تضامنهم الشفهي مع «السفير» وناشرها، عوضاً عن أن يصمتوا صمت القبور!

بدأ العام الجديد بلا «سفير»، فمن يوصل أصوات الذين لا صوت لهم؟



(Votes: 0)



  • Su
  • Mo
  • Tu
  • We
  • Th
  • Fr
  • Sa
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
  • 6
  • 7
  • 8
  • 9
  • 10
  • 11
  • 12
  • 13
  • 14
  • 15
  • 16
  • 17
  • 18
  • 19
  • 20
  • 21
  • 22
  • 23
  • 24
  • 25
  • 26
  • 27
  • 28
  • 29
  • 30
  • 31
  •  
  •  
  •  
  •