مجزرة ملهى اسطنبول: «صندوق باندورا» فُتح .. والاستقرار في تركيا انتهى!
Friday, 01.06.2017, 05:02 PM

نبيل‭ ‬هيثم‭ - ‬‮«‬صدى‭ ‬الوطن‮»‬


في‭ ‬الميثولوجيا‭ ‬الإغريقية‭ ‬القديمة،‭ ‬تقول‭ ‬الأسطورة‭ ‬إنّ‭ ‬‮«‬زيوس‮»‬‭ ‬قرّر‭ ‬الانتقام‭ ‬من‭ ‬‮«‬برومثيوس‮»‬،‭ ‬فقرر‭ ‬أن‭ ‬يرسل‭ ‬له‭ ‬هديّة‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬جديد‭: ‬المرأة‭! ‬فكانت‭ ‬‮«‬باندورا‮»‬‭ ‬التي‭ ‬حُمّلت‭ ‬بصندوق‭ ‬طلبت‭ ‬الآلهة‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬مغلقاً،‭ ‬لكنها‭ ‬فتحته،‭ ‬فخرجت‭ ‬منه‭ ‬كل‭ ‬شرور‭ ‬الأرض،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تستدرك‭ ‬الأمر،‭ ‬وتغلق‭ ‬الصندوق‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬واحد‭ ‬بقي‭ ‬فيه،‭ ‬وهو‭ ‬الأمل‭. ‬



الأسطورة‭ ‬الإغريقية‭ ‬تتكرر‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬تركيا–أردوغان‭ ‬قد‭ ‬اختارت‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬دور‭ ‬‮«‬باندورا‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬استخدمها‭ ‬‮«‬زيوس‮»‬‭ ‬الأميركي‭ ‬للانتقام‭ ‬من‭ ‬‮«‬برومثيوس‮»‬‭ ‬الروسي،‭ ‬فكان‭ ‬أن‭ ‬فتحت‭ ‬صندوقها،‭ ‬لتخرج‭ ‬منه‭ ‬كل‭ ‬الشرور‭ ‬‮«‬الداعشية‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬حامت‭ ‬في‭ ‬فضائها‭ ‬الإقليمي،‭ ‬من‭ ‬سوريا‭ ‬والعراق،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬اليمن‭ ‬وليبيا‭ ‬ومصر‭. ‬

وطالما‭ ‬أن‭ ‬الشرور‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬ضبطها،‭ ‬أو‭ ‬السيطرة‭ ‬عليها،‭ ‬فإنها‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬بدأت‭ ‬تطال‭ ‬من‭ ‬فتح‭ ‬الصندوق‭ ‬نفسه،‭ ‬ما‭ ‬إن‭ ‬فكّر‭ ‬بالانتقال‭ ‬إلى‭ ‬الضفة‭ ‬الأخرى،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لاحتواء‭ ‬الموقف‭. ‬

على‭ ‬هذا‭ ‬الأساس،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مصادفة‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬شرور‭ ‬‮«‬باندورا‮»‬‭ ‬قد‭ ‬ارتد‭ ‬عليها،‭ ‬منذ‭ ‬قررت‭ ‬الاستدارة‭ ‬نحو‭ ‬روسيا،‭ ‬متخلية‭ ‬عن‭ ‬محورها‭ ‬الأصلي،‭ ‬الذي‭ ‬تتسيده‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأميركية‭. ‬

ضمن‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬ضربت‭ ‬تركيا‭ ‬منذ‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬ستة‭ ‬أشهر،‭ ‬وتحديداً‭ ‬منذ‭ ‬تحرّكت‭ ‬الدبابات‭ ‬من‭ ‬ثكناتها‭ ‬لإسقاط‭ ‬نظام‭ ‬رجب‭ ‬طيب‭ ‬أردوغان‭. ‬


انقلابات

يوماً‭ ‬بعد‭ ‬يوم،‭ ‬تتكشف‭ ‬طبيعة‭ ‬تلك‭ ‬المحاولة‭ ‬الانقلابية‭ ‬الفاشلة،‭ ‬والجهات‭ ‬التي‭ ‬وقفت‭ ‬وراءها،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬مساعدة‭ ‬أردوغان‭ ‬على‭ ‬إحباطها‭. ‬

لم‭ ‬يعد‭ ‬أحد‭ ‬يشكك‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الأحداث‭ ‬المفاجئة،‭ ‬التي‭ ‬دارت‭ ‬رحاها‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬اسطنبول‭ ‬وأنقرة‭ ‬ومرمريس‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المدن‭ ‬التركية،‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الليلة‭ ‬الطويلة‭ ‬من‭ ‬يوم‭ ‬الخامس‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬تموز‭ (‬يوليو‭) ‬2016،‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬تدبير‭ ‬ضباط‭ ‬مرتبطين‭ ‬بالداعية‭ ‬الإسلامي‭ ‬فتح‭ ‬الله‭ ‬غولِن،‭ ‬الذي‭ ‬يحظى‭ ‬بحماية‭ ‬أميركية،‭ ‬في‭ ‬مقر‭ ‬إقامته‭ ‬بالولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬

ولم‭ ‬تكد‭ ‬تمضي‭ ‬أيام‭ ‬قليلة‭ ‬على‭ ‬المحاولة‭ ‬الانقلابية،‭ ‬حتى‭ ‬تبيّن‭ ‬أن‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الروسية‭ ‬شكلت‭ ‬العنصر‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬إحباط‭ ‬المؤامرة‭ ‬على‭ ‬رجب‭ ‬طيب‭ ‬أردوغان،‭ ‬الذي‭ ‬رد‭ ‬الجميل‭ ‬للرئيس‭ ‬الروسي‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين،‭ ‬بأن‭ ‬تقدم‭ ‬باعتذار‭ ‬نادر‭ ‬عن‭ ‬حادثة‭ ‬إسقاط‭ ‬‮«‬السوخوي‮»‬،‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬بلغ‭ ‬التعاون‭ ‬المشترك‭ ‬ذروته‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬لقاءات‭ ‬سياسية‭ ‬على‭ ‬أعلى‭ ‬مستوى،‭ ‬تم‭ ‬بنتيجتها‭ ‬التوصل‭ ‬الى‭ ‬اتفاقات‭ ‬اقتصادية‭ ‬استراتيجية‭... ‬والأهم‭ ‬الخروج‭ ‬بتوافقات‭ ‬حول‭ ‬الوضع‭ ‬السوري،‭ ‬الذي‭ ‬شكل‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الخمس‭ ‬المنصرمة‭ ‬عقدة‭ ‬العقد‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الروسية‭-‬التركية‭. ‬

ويبدو‭ ‬واضحاً‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬–ومن‭ ‬خلفها‭ ‬حلفاء‭ ‬إقليميون‭ ‬معروفون‭ ‬بدعمهم‭ ‬للإرهاب،‭ ‬والمقصود‭ ‬بذلك‭ ‬السعودية‭ ‬وقطر–‭ ‬لم‭ ‬يرق‭ ‬لها‭ ‬هذا‭ ‬التقارب‭ ‬الخطير‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬أوراسيا،‭ ‬فراحت‭ ‬تعاقب‭ ‬السلطان‭ ‬التركي‭ ‬الجريح‭ ‬بأن‭ ‬وجهت‭ ‬الشرور‭ ‬‮«‬الداعشية‮»‬‭ ‬إليه‭ ‬مباشرة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬تصاعد‭ ‬وتيرة‭ ‬الهجمات‭ ‬الإرهابية‭ ‬في‭ ‬تركيا،‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الستة‭ ‬الماضية،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬إعلان‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬صراحة‭ ‬مسؤوليته‭ ‬عن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬العمليات‭ ‬الإرهابية،‭ ‬متخلياً‭ ‬عن‭ ‬سياسة‭ ‬التكتّم‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬سائدة‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬سابقة‭. ‬

بهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬شهدته‭ ‬تركيا‭ ‬من‭ ‬هجمات‭ ‬إرهابية،‭ ‬وآخرها‭ ‬موقعة‭ ‬ملهى‭ ‬‮«‬رينا‮»‬‭ ‬في‭ ‬اسطنبول‭ ‬ليلة‭ ‬رأس‭ ‬السنة،‭ ‬إنما‭ ‬تصب‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الأمر‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬دفع‭ ‬ثمن‭ ‬الاستدارة‭ ‬السياسية‭ ‬لتركيا‭ ‬نحو‭ ‬روسيا‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وارتدادات‭ ‬السياسات‭ ‬الخارجية‭ ‬التي‭ ‬اتبعها‭ ‬أردوغان‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الخمس‭ ‬الماضية‭ ‬نحو‭ ‬الداخل‭ ‬التركي‭. ‬

ولا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬التذكير‭ ‬بأن‭ ‬سياسات‭ ‬أردوغان‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬مرّت‭ ‬بتقلّبات‭ ‬دراماتيكية‭ ‬أحدثت‭ ‬اهتزازات‭ ‬كبرى‭ ‬داخلية‭ ‬وخارجية‭.‬


تقلّبات

افتتحت‭ ‬الألفية‭ ‬الثالثة‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬بسيطرة‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬العدالة‭ ‬والتنمية‮»‬‭ ‬بزعامة‭ ‬أردوغان‭ ‬على‭ ‬الحكم‭. ‬وفي‭ ‬مرحلة‭ ‬أولى،‭ ‬تمكن‭ ‬الحزب‭ ‬الإسلامي‭ ‬الحاكم‭ ‬من‭ ‬تقديم‭ ‬نموذج‭ ‬اقتصادي‭ ‬ناجح،‭ ‬سمح‭ ‬لتركيا‭ ‬بأن‭ ‬تعزّز‭ ‬دورها‭ ‬خارجياً،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الجوار،‭ ‬حيث‭ ‬شهدت‭ ‬السنوات‭ ‬السابقة‭ ‬لما‭ ‬بات‭ ‬يعرف‭ ‬بـ«الربيع‭ ‬العربي‮»‬،‭ ‬تقارباً‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬منذ‭ ‬أيام‭ ‬السلطنة‭ ‬العثمانية‭ ‬مع‭ ‬سوريا‭ ‬والعراق‭ ‬ومصر‭ ‬ولبنان‭ ‬ودول‭ ‬الخليج،‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬صفر‭ ‬مشاكل‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬روّج‭ ‬له‭ ‬أحمد‭ ‬داود‭ ‬اوغلو،‭ ‬وكذلك‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الأوروبي،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬تحريك‭ ‬ملف‭ ‬انضمام‭ ‬تركيا‭ ‬إلى‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬برغم‭ ‬معارضة‭ ‬الدول‭ ‬الكاثوليكية‭ ‬لهذا‭ ‬الأمر،‭ ‬فيما‭ ‬لاحت‭ ‬في‭ ‬الأفق‭ ‬تسوية‭ ‬تفاوضية‭ ‬للصراع‭ ‬الدامي‭ ‬مع‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‮»‬،‭ ‬عززت‭ ‬الآمال‭ ‬في‭ ‬إمكانية‭ ‬إحلال‭ ‬السلام‭ ‬التركي‭-‬الكردي‭. ‬

لكن‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬تغيّر‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2011،‭ ‬ففي‭ ‬الداخل،‭ ‬راح‭ ‬أردوغان‭ ‬–ومعه‭ ‬فريق‭ ‬المتشددين‭ ‬في‭ ‬حزب‭ ‬العدالة‭ ‬والتنمية‭ ‬بزعامة‭ ‬أحمد‭ ‬داود‭ ‬اوغلو–‭ ‬يركز‭ ‬السلطات‭ ‬في‭ ‬يده،‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬المعارضين‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وعلى‭ ‬حساب‭ ‬القياديين‭ ‬الأكثر‭ ‬اعتدالاً‭ ‬ضمن‭ ‬الحزب‭ ‬الحاكم،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬غول‭... ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬انعكس‭ ‬اقليمياً‭ ‬في‭ ‬جنوح‭ ‬أردوغان‭ ‬نحو‭ ‬إحياء‭ ‬طموحات‭ ‬الامبراطورية‭ ‬العثمانية،‭ ‬بالنفوذ‭ ‬شرقاً‭ ‬في‭ ‬آسيا،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬جنوبا‭ ‬لإعادة‭ ‬إحياء‭ ‬نفوذ‭ ‬الخلافة‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬ومصر‭ ‬والعراق‭. ‬

لهذا‭ ‬الغرض،‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬أردوغان‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬جماعة‭ ‬‮«‬الإخوان‭ ‬المسلمين‮»‬‭ ‬لتحقيق‭ ‬مشروعه‭ ‬السلطاني،‭ ‬فكان‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬مصر،‭ ‬وبعدهما‭ ‬ليبيا‭ ‬واليمن‭ ‬والعراق‭... ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬سوريا،‭ ‬التي‭ ‬كسر‭ ‬فيها‭ ‬الرئيس‭ ‬التركي‭ ‬كل‭ ‬الخطوط‭ ‬الحُمر،‭ ‬بتحالفه‭ ‬مع‭ ‬التنظيمات‭ ‬التكفيرية،‭ ‬لضرب‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬المجاورة،‭ ‬تسهيلاً‭ ‬للسيطرة‭ ‬عليها،‭ ‬ولتصفية‭ ‬الحسابات‭ ‬مع‭ ‬الأكراد،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬المشاكسين‭ ‬منهم،‭ ‬والمقصود‭ ‬بذلك‭ ‬طبعاً‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‮»‬‭ ‬وجناحه‭ ‬السوري‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الاتحاد‭ ‬الديمقراطي‮»‬‭. ‬

هذه‭ ‬اﻻستدارات‭ ‬كان‭ ‬ﻻ‭ ‬بد‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تحدث‭ ‬اختلاﻻت‭ ‬وارتدادت‭ ‬داخلية‭ ‬عنيفة‭ ‬فى‭ ‬المجتمع‭ ‬التركي‭. ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الأساس،‭ ‬أتت‭ ‬انتخابات‭ ‬العام‭ ‬2015‭ ‬مخيبة‭ ‬لأردوغان،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬تحالفه‭ ‬مع‭ ‬التنظيمات‭ ‬التكفيرية‭ ‬قد‭ ‬بلغ‭ ‬مستوى‭ ‬غير‭ ‬مسبوق،‭ ‬وكان‭ ‬الهدف‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬واضحاً،‭ ‬وهو‭ ‬استخدام‭ ‬تلك‭ ‬المجموعات‭ ‬الإرهابية،‭ ‬بالتنسيق‭ ‬مع‭ ‬الأميركيين،‭ ‬كأدوات‭ ‬ميدانية‭ ‬لتحقيق‭ ‬الغايات‭ ‬السياسية‭ ‬المنشودة‭. ‬

ولا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬التذكير‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مشروع‭ ‬أردوغان‭ ‬كاد‭ ‬يتحقق‭ ‬لو‭ ‬انهارت‭ ‬الجبهات‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬والعراق‭ ‬قبل‭ ‬التدخل‭ ‬الروسي‭ ‬الذي‭ ‬خلط‭ ‬الأوراق،‭ ‬سورياً‭ ‬وإقليمياً‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬2015‭. ‬

على‭ ‬هذا‭ ‬الأساس،‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬أردوغان‭ ‬بداً‭ ‬من‭ ‬مغامرة،‭ ‬تبيّن‭ ‬لاحقاً‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬مقامرة‭ ‬خاسرة،‭ ‬حين‭ ‬أثار‭ ‬غضب‭ ‬الدب‭ ‬الروسي،‭ ‬باسقاطه‭ ‬طائرة‭ ‬‮«‬السوخوي‮»‬‭ ‬خلال‭ ‬تحليقها‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬الحدود‭ ‬السورية‭-‬التركية،‭ ‬وزيادة‭ ‬الدعم‭ ‬للمجموعات‭ ‬التكفيرية‭ ‬التي‭ ‬تقاتل‭ ‬الجيش‭ ‬السوري‭ ‬وحلفائه،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لخلق‭ ‬أمر‭ ‬واقع‭ ‬جديد،‭ ‬يعيد‭ ‬تكرار‭ ‬سيناريو‭ ‬أفغانستان‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الثمانينات‭. ‬

ولكن‭ ‬أردوغان‭ ‬أخطأ‭ ‬حين‭ ‬ظن‭ ‬أن‭ ‬روسيا‭ ‬بوتين‭ ‬هي‭ ‬ذاتها‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفياتي،‭ ‬كما‭ ‬أخطأ‭ ‬حين‭ ‬توهم‭ ‬بأنه‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬توجيه‭ ‬السياسات‭ ‬الأميركية،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬تلك‭ ‬الخاصة‭ ‬بالأكراد،‭ ‬نحو‭ ‬النقطة‭ ‬التي‭ ‬يريد،‭ ‬فكان‭ ‬أن‭ ‬أصبح‭ ‬السلطان‭ ‬العثماني‭ ‬الجريح‭ ‬عبئاً‭ ‬على‭ ‬الحليف‭ ‬الأميركي،‭ ‬الذي‭ ‬تحيّن‭ ‬الفرصة‭ ‬في‭ ‬أواسط‭ ‬تموز‭ ‬الماضي،‭ ‬بدعمه‭ ‬الجنرالات‭ ‬الانقلابيين‭... ‬عندها‭ ‬فقط‭ ‬أدرك‭ ‬أردوغان‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬مكان‭ ‬للثقة‭ ‬بالولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬


صندوق‭ ‬باندورا

لا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬فشل‭ ‬المحاولة‭ ‬الانقلابية،‭ ‬والدور‭ ‬الروسي‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬قد‭ ‬سرّعا‭ ‬من‭ ‬وتيرة‭ ‬التحولات‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الأردوغانية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يروق‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬زالت،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬سلاح‭ ‬الإرهاب‭ ‬ضد‭ ‬خصومها‭ ‬وحلفائها‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭. ‬

من‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬ملهى‭ ‬‮«‬رينا‮»‬،‭ ‬وما‭ ‬سبق‭ ‬وأعقب‭ ‬ذلك،‭ ‬من‭ ‬هجمات‭ ‬إرهابية،‭ ‬الهدف‭ ‬منها‭ ‬زيادة‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬أردوغان،‭ ‬كإجراء‭ ‬عقابي‭ ‬لخيار‭ ‬التقارب‭ ‬مع‭ ‬روسيا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تبدّى‭ ‬قبل‭ ‬هجوم‭ ‬ليلة‭ ‬رأس‭ ‬السنة‭ ‬ببضعة‭ ‬أيام،‭ ‬حين‭ ‬اغتيل‭ ‬السفير‭ ‬الروسي‭ ‬في‭ ‬أنقرة‭ ‬على‭ ‬مرأى‭ ‬من‭ ‬عدسات‭ ‬الكاميرات،‭ ‬وهو‭ ‬الهجوم‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬المراقبون‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬رد‭ ‬واضح‭ ‬على‭ ‬سياسات‭ ‬التقارب‭ ‬الروسية–التركية‭. ‬

واذا‭ ‬كان‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬وروسيا‭ ‬يوجه‭ ‬اصبع‭ ‬الاتهام‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬من‭ ‬هجمات‭ ‬إرهابية‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلفائها‭ ‬الإقليميين،‭ ‬فإن‭ ‬أحداً‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬الجرأة‭ ‬على‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬تلك‭ ‬الهجمات،‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الأمر،‭ ‬حصاد‭ ‬ما‭ ‬زرعه‭ ‬رجب‭ ‬طيب‭ ‬أردوغان‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الجوار،‭ ‬أو‭ ‬بمعنى‭ ‬آخر‭ ‬ارتداد‭ ‬الشرور‭ ‬التي‭ ‬أطلقتها‭ ‬تركيا،‭ ‬حين‭ ‬فتحت‭ ‬‮«‬صندوق‭ ‬باندورا‮»‬‭ ‬قبل‭ ‬خمسة‭ ‬أعوام‭. ‬

لعل‭ ‬تركيا‭ ‬في‭ ‬وضعها‭ ‬هذا‭ ‬تشبه‭ ‬باكستان،‭ ‬التي‭ ‬خُدعت‭ ‬أميركياً،‭ ‬فتحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬حاضنة‭ ‬للإرهاب‭. ‬وما‭ ‬يحصل‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬اليوم‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إلا‭ ‬نتيجة‭ ‬طبيعية‭ ‬لسياسات‭ ‬أردوغان،‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬بلاده‭ ‬محطة‭ ‬‮«‬ترانزيت‮»‬‭ ‬لجموع‭ ‬الإرهابيين‭ ‬الوافدين‭ ‬إلى‭ ‬سوريا،‭ ‬الذين‭ ‬ما‭ ‬إن‭ ‬قّوضهم‭ ‬التدخل‭ ‬الروسي‭ ‬في‭ ‬الميدان‭ ‬السوري،‭ ‬حتى‭ ‬عادوا‭ ‬ليفجروا‭ ‬شرورهم‭ ‬انتقاماً‭ ‬من‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬احتضنهم،‭ ‬أي‭ ‬تركيا‭. ‬

ما‭ ‬تشهده‭ ‬تركيا‭ ‬اليوم،‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬أشبه‭ ‬بما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬التسعينات‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬إقليمية‭ ‬أخرى،‭ ‬أبرزها‭ ‬مصر‭ ‬والسعودية‭. ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة،‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬تصدّر‭ ‬‮«‬الجهاديين‮»‬‭ ‬للقتال‭ ‬في‭ ‬افغانستان،‭ ‬وما‭ ‬إن‭ ‬انتهى‭ ‬دورهم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد،‭ ‬حتى‭ ‬عادوا‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬جاؤوا،‭ ‬فعاثوا‭ ‬إرهاباً‭ ‬بالدول‭ ‬التي‭ ‬احتضنتهم‭. ‬في‭ ‬الادبيات‭ ‬السياسية‭ ‬بات‭ ‬هؤلاء‭ ‬يُعرفون‭ ‬بظاهرة‭ ‬‮«‬الأفغان‭ ‬العرب‮»…‬‭ ‬فهل‭ ‬نشهد،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الهزائم‭ ‬المتلاحقة‭ ‬للإرهابيين‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬ولادة‭ ‬ظاهرة‭ ‬جديدة‭ ‬مماثلة‭ ‬في‭ ‬تركيا؟‭ ‬

يبدو‭ ‬الأمر‭ ‬كذلك،‭ ‬فكافة‭ ‬التقارير‭ ‬الاستخباراتية‭ ‬التي‭ ‬تحفل‭ ‬بها‭ ‬مراكز‭ ‬الدراسات‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الأجنبية‭ ‬تشي‭ ‬بأن‭ ‬عهد‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬قد‭ ‬انتهى‭!‬




(Votes: 0)



  • Su
  • Mo
  • Tu
  • We
  • Th
  • Fr
  • Sa
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
  • 6
  • 7
  • 8
  • 9
  • 10
  • 11
  • 12
  • 13
  • 14
  • 15
  • 16
  • 17
  • 18
  • 19
  • 20
  • 21
  • 22
  • 23
  • 24
  • 25
  • 26
  • 27
  • 28
  • 29
  • 30
  • 31
  •  
  •  
  •  
  •